الشهادات



هل ستسمع "صرخة" علي؟

علي وريمي من مواليد العام 1970، يعمل مرشدا سياحيا في جربة وجرجيس، ينتمي لجمعية "منامتي" المناهضة للعنصرية في تونس، جعل منذ سنوات من قضية تغيير لقبه أولوية له ومعركته الأولى.

علي الوريمي – مرشد سياحي
تصوير: صبرا المنصر/ فرانس24

ويحمل علي لقب وريمي، وهو لقب العائلة التي كان يعمل لديها جده. وشرح موضحا تاريخ هذا اللقب قائلا "المعروف لدى الجميع أنه كان هناك استغلال، حتى لا أقول استعباد... كان هناك سود يعملون لدى العائلات البيضاء، يعطونهم بعد ذلك ألقابهم وكأنها "هبة" منهم… وهذا ما حصل مع عائلتي، يعني وريمي لم يكن اسم عائلتي… طبعا هذا أمر يزعجني وأريد تغييره…"

علي وريمي "أفضِّل أن يسمع الناس، الذين يرددون أنه "مش وقته" (ليس الوقت المناسب)، ندائي اليوم كصرخة، على أن يسمعوه يوما ما كعنف كما حصل في الستينيات في أمريكا… "
الباحثة إيناس مراد الدالي

وبحرقة يقول "أفكر في أبنائي… بدأوا يكبرون ويطرحون الأسئلة، ابني يتساءل مثلا لماذا نحن، السود، الوحيدون في عائلة وريمي بينما الآخرون من نفس العائلة بيض البشرة"!

وفي حديثه عن قضيته لم ينس علي أن يستبق الرد على الانتقادات المحتملة في المجتمع التونسي عند إثارة هذا النوع من القضايا الحقوقية، وقال "أفضِّل أن يسمع الناس، الذين يرددون أنه "مش وقته" (ليس الوقت المناسب)، ندائي اليوم كصرخة، على أن يسمعوه يوما ما كعنف كما حصل في الستينيات في أمريكا… "

وأظهر علي لفرانس24 وثائق تثبت أنه تم تحرير محضر شكوى في العام 1951 تظهر أن جده لم يكن يحمل لقب وريمي بل كان عبدو بن مسعود وهو الاسم الذي يريد علي العودة إليه. هذا رغم أن وثائق رسمية أخرى تظهر أن والده يحمل لقب وريمي منذ الولادة عام 1937. ويبدو أن والده منح هذا اللقب عند الولادة.

نسخة من بطاقة تعريف علي الوريمي
تصوير: صبرا المنصر/ فرانس24

وعلي يتشبث بهذه الوثيقة التي تعود للعام 1951، خمس سنوات قبل استقلال تونس، وكأنها طوق نجاة وسند يبين أن السلطات اعترفت يوما ما بأنه ليس وريمي وبأنه لا يتبع هذه العائلة وإنما هو بن مسعود.

كما تظهر الوثيقة أن لقبه مركب كالتالي: عبدو بن مسعود الكباوي الطرابلسي وفسر علي لفرانس24 نسبة هذا اللقب قائلا "نعرف أن طرابلس عاصمة ليبيا، والكباو هي قرية قرب طرابلس، والكثير من السود في تونس أتوا في موجات هجرة من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، في إطار العبودية أو غيرها…استقروا في الكباو قرب طرابلس الليبية ثم قدموا إلى تونس، لهذا أشاروا في الوثيقة إلى أني الكباوي الطرابلسي."

وعلي الذي ينتمي لجمعية "منامتي" المناهضة للعنصرية لا يدخر جهدا في الدفاع عن السود ويأمل أن يتم يوما ما توثيق تاريخ العبودية في تونس كما يستحق. ويعتبر أن إثارة مسألة لقبه اليوم مرتبطة برغبته في بناء جسور مع أصوله الحقيقية والقطع مع تاريخ مؤلم، فتغيير اللقب بالنسبة إليه "مسألة نسب، والإنسان يحتاج للتعرف على أصوله، ليبدأ حياته من تلك النقطة".

وثيقة محضر تعود لعام 1951 تثبت أن جد علي الوريمي لم يكن يحمل لقب وريمي

كريم يحمل صفة "العتيق" في القرن 21




كريم شاب يعمل بأحد النزل في جزيرة جربة - جنوب شرق - بدأ إجراءات التخلص من صفة "عتيق" لكن محاولته باءت بالفشل عندما اصطدمت بغياب مؤسساتي لا يسمح له بتحقيق ذلك.

وعرف كريم نفسه قائلا "اسمي كريم عتيق دالي ومولود عام 1981… كل شخص يسمع اللقب يعرف فورا خلفيته التاريخية... الأمر يزعجني، لأن فيه إشارة رمزية للعبودية وللعنصرية."

كريم عتيق دالي موظف استقبال في نزل
تصوير صبرا المنصر/ فرانس24

وبقطع النظر عن الخلفية العنصرية لهذه الصفة فهي تسبب أحيانا لحاملها "إشكالا عند استصدار الوثائق الرسمية، فهي منصوصة في شهادة الميلاد، في بطاقة التعريف، في جواز السفر... يسألوننا كل مرة، هل أنت عتيق، أم دالي، أم عتيق دالي." وعبر كريم عن انزعاجه من اللقب، وأكد أنه إن استطاع فسيلغي صفة "عتيق" ويكتفي فقط بلقب "دالي".

وروى كريم لفرانس24 أنه حاول تغيير لقبه أواخر 2018 واتصل بمحامٍ ولكنه اصطدم بغياب المؤسسات التي تنظر في المسألة وكان رد وزارة العدل كما يلي: "اللجان المحلية المختصة في النظر في طلبات اختيار الألقاب العائلية لم تعد موجودة بصفة فعلية منذ أواسط التسعينيات… وأمام انعدام السند القانوني وكذلك الجهة المخول لها النظر في هذه المطالب يتعذر الاستجابة لطلبه في الوقت الحاضر."

شهادة كريم لم تقتصر على مسألة اللقب ومدلولاته وإنما تطرقت للصور النمطية التي يحملها التونسيون اليوم تجاه السود رغم العقود التي مرت منذ إلغاء العبودية والتطورات التي شهدها المجتمع التونسي.

رد وزارة العدل على طلب كريم عتيق دالي إلغاء لفظ "عتيق" من لقبه

فحسب كريم فإن الكثير من التونسيين يستبطنون صورا نمطية تجاه السود مرتبطة بالعبودية. وعلى سبيل المثال كشف كريم أن أغلب المكلفين بحمل الحقائب في النزل السياحية هم من أصحاب البشرة السوداء كما يطلب منهم ارتداء قمصان حمراء أو صفراء، في تجسيد واضح للصورة النمطية للسود كعبيد.

ومثل شهادة علي استبق كريم ردود الأفعال المفترضة في المجتمع التونسي من إثارة هذا الموضوع، وقال إنه قد يتعرض للوم والنقد لأنه تطرق لمسألة العنصرية في تونس، وأكد أن أغلب السود يفضلون الصمت ويرفضون فضح الممارسات العنصرية ضدهم للإعلام.

والتصرفات العنصرية وفق كريم تختلف حسب الموقع الاجتماعي للشخص الأسود، فإن كان مثقفا وله مكانة اجتماعية كبيرة فلا أحد يتجرأ على التطاول عليه أو استفزازه، وفي المقابل إن كان متواضعا اجتماعيا فإنه سيكون حتما ضحية لممارسات عنصرية ويتعرض للاستغلال من جانب أرباب العمل من باب أن الأسود "لا يتكلم وليس لديه الحق في التعبير" و"أنه ذو بنية جسدية قوية ويتحمل العمل الشاق لساعات".


صادق يحمل لقبا مختلفا عن أخيه


في مقهى صغير في جرجيس اجتمع علي وريمي مع صديقيه صادق ومحمد، وفي كواليس الحوار استرجع الأصدقاء "العلاقة المغيبة" لتونس بالقارة الإفريقية في الإعلام وفي الواقع، في حين يشعر هؤلاء الأصدقاء بعمق انتمائهم للقارة السمراء ويستذكرون خلال أحاديثهم الثورات التي حصلت فيها ضد العنصرية.

أما قصة لقبه فهي مختلفة عن قصة كريم وعلي، فهو وإخوته لا يحملون نفس اللقب، وأوضح لفرانس24 قائلا: "أنا وإخوتي ليس لنا نفس اللقب، لكن الأمر عادي بالنسبة لنا، لن نغيره وإن وجدت فرصة لتغييره... فقد أصبح أمرا واقعا، وكثر الأبناء، وتشتتت العائلة... أنا أحمل لقب جدي ولا أعتقد أن إخوتي يزعجهم الأمر." ثم يضيف "في عائلتي مثلا لدينا لقبان لعائلات بيضاء…" وذكر صادق ذلك دون أن يحدد هذه الألقاب. وأوضح أن أحد هذين اللقبين يعود للعائلة التي كان يعمل لديها جده في حين أن اللقب الثاني هو اسم لفرع من هذه العائلة.

صادق من سكان جرجيس
تصوير: صبرا المنصر/ فرانس24

وفسر صادق قائلا إنه "في القرن الماضي عندما يولد الطفل ويكون الأب غائبا... أي يعمل خارج القرية، في الفلاحة، أو في البحر... يذهب أي شخص يعرفه لتسجيله، وعندما يستفسر منه الموظف الإداري عن اللقب، فإنه يعطيه لقب أو اسم فرع العائلة التي كان جد جده يعمل لديها أو التي حررته… لهذا يكون في العائلة الواحدة أحيانا أكثر من لقب".

وأوضح صادق أن أغلب العائلات السوداء تحمل اسم عائلة بيضاء، فمن كانوا يشترون العبيد قديما كانوا يمنحونهم أسماءهم، وقال صادق ساخرا: "اليوم تجد من بين أحفادهم من يكون اسمه فلان بن فلان بن فلتان ثم لقب عائلة بيضاء".
وبالنسبة لصادق، ينسى أغلب التونسيين أنهم ينتمون للقارة الإفريقية ويختصرونها في لون البشرة الأسمر. واستشهد قائلا حتى أغلب المذيعين الرياضيين في الإعلام التونسي خلال المباريات بين المنتخب التونسي وفرق دول إفريقيا جنوب الصحراء يستخدمون كلمة إفريقي لتمييز اللاعبين الآخرين عن اللاعبين التونسيين متناسين أن التونسيين هم أيضا أفارقة... وهم يعتمدون هذه التسمية حتى لا يقولوا "اللاعب الأسود" إلا أنهم بذلك يقعون في خطأ اختصار القارة الإفريقية في اللون الأسود.
وهذا يذكر بحادثة وقعت في تونس في فبراير عام 2015 عندما خسرت تونس مباراة أمام غينيا الاستوائية في إطار كأس أمم إفريقيا، بسبب خطأ تحكيمي، وعندما انتهت المباراة اعتدى العديد من التونسيين الغاضبين جسديا على تونسيين آخرين سود وعلى طلبة أفارقة مقيمين في تونس ونعتوهم بالوصيف والكحلوش (الأكحل) والعبد…
لكن حديث صادق تأرجح في نفس الوقت بين نفي السلوكيات العنصرية تجاه السود في تونس وتأكيدها وكأنه يريد أن يخفف من وطأة الظاهرة.
وإن حاول صادق إخفاء انزعاجه من مسألة الألقاب إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية استبطانه لألم ذكرى تاريخ مرير تذكر به هذه الألقاب جيلا بعد جيل، وفق ما بينت أستاذة علم النفس الاجتماعي فتحية السعيدي لفرانس24.

المحور التالي