من العبودية إلى "الولاء"






كلمة "عتيق" هي صفة مشبهة تدل على الثبوت وتعني "المُعتَق" أي المحرر من العبودية وهي مشتقة لغويا من الفعل عتقَ، ولقب "عتيق فلان" يعني العبد الذي حرره فلان.

يعود لقب "عتيق فلان" في تونس إلى القرن التاسع عشر عندما بدأ تحرير العبيد السود، القادم غالبيتهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، إثر قرار منع الرق العام 1846، عندما كانت تونس تحت الحكم العثماني.

أثـَرُ تاريخ العبودية المرير هذا لم يمح كليا اليوم، ففي بعض المناطق كجربة وجرجيس وقابس لا يزال المنحدرون من عائلات كانت مستعبدة قبل نحو مئتي عام يحملون لقب "عتيق فلان"، حيث مُنح أجدادهم بعد عتقهم لقب العائلات التي حررتهم مسبوقة بلفظ "عتيق"، على سبيل المثال "عتيق دالي"، "عتيق بن يدر"...

فيما أخذ آخرون حرروا من العبودية ألقابا أخرى، حيث منحوا لقب أو اسم فرع لبعض العائلات التي حررتهم دون الإشارة إلى العتق وهو ما يفسر ظاهرة حمل عائلات سوداء وبيضاء البشرة اللقب نفسه، كما هو منتشر في المنطقة الجنوبية لتونس، بما في ذلك جزيرة جربة وجرجيس ومارث (40 كم من قابس) ودوز؛ حيث غالبا ما تقسم العائلات الكبرى هناك إلى قسمين: مجموعة من البيض (أحرار) ومجموعة من السود (المتحدرين من العبيد) ملحقة بها. إن الحفاظ على الانقسام في هذه العائلات يذكِّر من يتجاهله، بـأنه سليل الأسياد وأنه ينحدر من العبيد. حسب ما جاء في بحث عالمة الإناسة (الأنثروبولوجيا) والمؤرخة إيناس مراد الدالي "من العبودية إلى الاسترقاق - مثال السود في تونس".

"إن العبد المحرر يبقى تابعا للشخص الذي حرره، تطبيقا لمبدأ "الولاء" في الشريعة الإسلامية…"
الباحثة إيناس مراد الدالي

ومنح الألقاب في هذا السياق، سواء كان متبوعا بلفظ "عتيق " أم لا، يبدو في ظاهره "هبة" تحمي العبيد المحررين من حياة التهميش إلا أن فيه إرساءً لعلاقة تبعية وولاء بين العبد المحرر وعائلة الأسياد، حيث تقول الباحثة مراد الدالي "إن العبد المحرر يبقى تابعا للشخص الذي حرره، تطبيقا لمبدأ "الولاء" في الشريعة الإسلامية. هذا رغم أن عتق العبيد في الإسلام أمر مستحسن منذ القدم من قبل حتى إقرار قوانين منعه".

وتضيف أنه وطبقا لمبدأ "الولاء" يبقى العبد المحرر وسلالته مدينين للعائلة التي حررته وفي تبعية لها رغم منحهم "صك الحرية"، وبالتالي فإن الألقاب من نوع "عتيق فلان" هي بمثابة أثر لتاريخ العبودية والاسترقاق لا يزال متوارثا جيلا بعد جيل... كما أن أي قرار يتخذه العبد المحرر آنذاك، أي في القرن التاسع عشر بعد إقرار منع الرق، يجب أن يمر عبر موافقة سيده، أو سلالة سيده مثل أمور الزواج، كما أن ما يمتلكه العبد المحرر يبقى تابعا لسيده. وهو ما يسمى بالاسترقاق، وهي مرحلة جديدة من العبودية غير المباشرة التي استمرت إلى نهاية القرن التاسع عشر.




قرار إنساني في مجتمع غير مهيأ

يشار إلى أن تونس كانت من الدول الرائدة في العالم في إقرار منع الرق عام 1846، حيث جاء هذا القرار ضمن سياق إصلاحي عام شهدته البلاد التابعة للدولة العثمانية آنذاك. وفق ما أشار المؤرخ نور الدين الدقي في بحثه "العبودية في تونس بين المنع والإباحة (1846-1890)".

"إن مزارعي جربة كانوا الأشد معارضة لإلغاء الرق في 1846 نظرا لاعتماد اقتصاد الجزيرة على العبيد السود في فلاحة الأرض."
الباحثة إيناس مراد الدالي

إلا أن هذا القرار لم يجد صداه بين العامة وقتها وفق ما أوضح نور الدين الدقي في نفس البحث. واعتبره البعض آنذاك مخالفا للأحكام الشرعية وأنه حكم وضعي فيه "إرضاء للإنجليز"، وفق ما ذكر المؤرخ والمنظر للإصلاح السياسي خلال القرن التاسع عشر أحمد بن أبي ضياف في كتابه "إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان". وفي حديثه عن هذا القرن ذكر ابن أبي ضياف في كتابه ذاك أن أغلب الذين عارضوا إلغاء العبودية وقتها هم "بعض العلماء… وأهل جربة وغالب العربان وأهل الفلاحة."

وهو ما أكدته الباحثة إيناس مراد الدالي لفرانس24 حيث قالت إن مزارعي جربة كانوا الأشد معارضة لإلغاء الرق في 1846 نظرا لاعتماد اقتصاد الجزيرة على العبيد السود في فلاحة الأرض.

ورغم هذا القرار لم تختف مظاهر الاسترقاق أو يتم القضاء كليا على تجارة العبيد غير القانونية بل تحولت إلى شكل جديد من السيطرة على السود حيث ظل العبيد المحررين في بعض المناطق حتى نهاية القرن التاسع عشر "في وضعية تبعية بالنسبة لأسيادهم يقومون بما يقوم به الخدم مقابل أجر زهيد". ما دعا السلطات وقتها، التي كانت تحت السيادة الفرنسية، لإقرار قانون عام 1892 يجرم الاسترقاق.

وأضاف نورالدين الدقي أن العبيد القدامى من جهتهم آثروا البقاء في الأسر التي نشأوا فيها خوفا من حياة التهميش التي كانت تنتظرهم خارجها نظرا إلى أن أكثرهم كان مملوكا لعائلات أرستقراطية ميسورة الحال تتوافر فيها مقومات العيش الميسور. وكان "قرار إلغاء الرق في بعده الإنساني متقدما بالنسبة لما كانت عليه الذهنية العامة التي لم تكن مهيأة لمثل هذا التغيير." وهكذا بقي العبيد المحررون في القرن العشرين على علاقة تبعية بمالكيهم القدامى استمرت جيلا وراء جيل حتى وصلت لأحفادهم. تبعية لا تقيد حرية الأحفاد كليا لكنهم يظلون حاضرين لمساعدة الأسياد السابقين والعمل في خدمتهم أثناء الأعراس والمناسبات وغيرها.

وقد أكدت ذلك شهادات بعض سكان جربة وجرجيس لفرانس24، "فالخادم" على سبيل المثال هو دائما السيدة سوداء البشرة التي تخدم العروس وتهتم بها وتزينها طيلة أيام العرس في إطار عادة معروفة في هذه المناطق.

Publiée par N7ebek Yalli Fi Bali sur Vendredi 24 novembre 2017



ولاء" اقتصر على العبيد السود

ومن المهم الإشارة إلى أن إبطال الرق في تونس جاء متأخرا عن إلغاء استرقاق وامتلاك المسيحيين، وهم بالأساس أسرى حروب من أصول مسيحية، الذي فرضه بالقوة مؤتمر فيينا العام 1815.

وبهذا الشأن أشارت سعدية مصباح رئيسة جمعية "منامتي" المناهضة للعنصرية أن "أحفاد العبيد البيض يحملون اليوم أسماء مثل –فلان مملوك أو عتيق- دون الإشارة إلى اسم السيد". واستنكرت قائلة لفرانس24 "لماذا لا يحمل أحفاد العبيد البيض أي أثر لهذا التاريخ بينما يحمله السود؟!".

وفي هذا الشأن أشارت الباحثة إيناس الدالي أن الشريعة الإسلامية لم تفرق بين الأبيض والأسود، إلا أن التطبيق والممارسة يختلفان ومبدأ "الولاء" لم يطبق إلا على السود في حين انصهر البيض بسرعة في العائلات التونسية من خلال الزيجات كما حصلوا على مناصب عليا في الدولة، في المقابل بقي السود تابعين للعائلات التي امتلكتهم واستمروا في العمل في المهن الصعبة.

المحور التالي