Tweet
Open navigation

__

من "النهر الأحمر" إلى نهر "ريو غراندي"، ومن محميات الهنود الحمر في أوكلاهوما إلى الحدود المكسيكية، يقطع الطريق السريع رقم 35 العابر للولايات ثمانمئة كيلو متر عبر ولاية تكساس. طريق تمثل المناطق الواقعة على جانبيه أهم مواضيع الحملة الانتخابية الأمريكية: الاقتصاد، الجغرافيا، السياسة، الهجرة، إلخ...

ارتادت فرانس24 هذه المنطقة الحيوية متعددة الأطياف والتقليدية المحافظة في الوقت ذاته. منطقة ذات توجه جمهوري منذ خمسة وثلاثين عاما ولكنها تتردد الآن في التصويت بين ترامب وكلينتون . ولاية أكبر من فرنسا، كما يردد سكانها دوما أمام الغرباء القادمين بحثا عن المغامرة في أرض رعاة البقر.

__















عندما يصل الطريق السريع إلى جسر النهر الأحمر الذي يشكل فاصلا طبيعيا بين ولايتي أوكلاهوما وتكساس، يمكن مشاهدة مجسمات لبرج بيغ بن وأوبرا باريس. وعلى الرغم من الحرارة الشديدة في هذا الموقع الذي يبعد 150 كيلو مترا إلى الشمال من دالاس، فإن هذا المشهد ليس سرابا على الإطلاق. إنها لاس فيغاس صغيرة تعلوها مجسمات كرتونية لأشهر الآثار العالمية، وتقع في أحضان ضفة النهر الأحمر من جهة أوكلاهوما، ويعود اختيار موقعها إلى صرامة القوانين الخاصة بالكازينوهات في تكساس.

أوبرا باريس ومبنى كرايسلر يزينان مرآب سيارات أحد الكازينوهات  

كازينو وينستار الذي يقدمه الناس هنا على أنه الأكبر في العالم، يضم عددا كبيرا من غرف اللعب المكيفة وملاعب الغولف ومرآب سيارات مراقب بالكاميرات. يأتي سكان تكساس إلى هنا لإنفاق ما حصدوه من أموال خلال الأعوام الأخيرة، إذ إن الفترة الثانية من حكم أوباما تميزت بتحول اقتصادي كبير للولايات المتحدة (انخفضت نسب البطالة في البلاد والتي وصلت إلى 10% عام 2010 لتبلغ نسبة أقل من 5% عام 2016) وهو ما يمكن مشاهدة آثاره بوضوح في تكساس، التي احتلت المرتبة الثانية لأفضل معدلات النمو في الولايات المتحدة.

تقول آرلين لويد، مديرة وكالة التطوير الاقتصادي في مقاطعة كوك التابع لها كازينو وينستار "يستقبل الكازينو في المتوسط 11 ألف شخص يوميا، وقمنا مؤخرا بافتتاح جناح جديد، الأمر الذي يؤشر على استمرار تدفق الأموال" . وتضيف "يأتي الناس مهاجرين بأعداد كبيرة إلى المنطقة، نحن نشهد نفس معدلات تدفق المهاجرين التي تشهدها نيويورك وكاليفورنيا".


آرلين لويد مفتخرة بالمنطقة التي كانت سابقا شبه صحراوية والتي أصبحت اليوم مزدهرة.
سيارات نقل صغيرة عالية وإطارات من الكروم، بعضًا من عناصر الحلم الأمريكي.


أصبحت تكساس جنة صغيرة للباحثين عن الفرص والأجور المرتفعة. ولكن، كما هو حال الولايات الأخرى، لا يتمتع الجميع بهذا الرخاء المستعاد، إذ إن اللامساواة هنا تتجذر أكثر فأكثر، فالواحد بالمئة الأكثر غنى من السكان يزدادون ثراء، فيما يعاني الفقراء ذوو الوظائف المتواضعة. وبين الطرفين يتضاءل حجم الطبقة المتوسطة بمعدلات غير مسبوقة.

"يأتي الأغنياء لإنفاق أموالهم، ثم يعودون بعدها إلى بيوتهم في دالاس أو هيوستن، في حين أن ما يتزايد هنا هو أعداد المشردين" كما يؤكد جيم ماثيسون، صانع قبعات جلدية ويعتبر شخصية شهيرة في دينتون، المدينة الصغيرة التي تبعد بضعة كيلومترات عن ثكرفيل. "يجب توزيع هذه الأموال بشكل أفضل، ولكن ينبغي علينا أيضا أن نتذكر أن الكازينو قد وفر الكثير من الوظائف في المنطقة. والدليل على ذلك هو عدد المتاجر التي تعلن عن حاجتها لموظفين" يضيف قبل أن يتابع جولته دافعا عربته المملوءة بالقبعات.

جيم، راعي بقر من دينتون، يعتبر أن الرخاء في تكساس لا يشمل الجميع

يمتلك شمال تكساس، ورغم المجسم المبتذل لأوبرا باريس وقصر ويستمينستر الذي تحول إلى مرآب لسيارات زبائن الكازينو، ميزة اختفت منذ عقود من القارة العجوز ألا وهي: انعدام البطالة.






"المسلمون يحبون المسيح" لافتة عريضة معلقة في مكتب إمام مسجد إيرفينغ، إحدى ضواحي مدينة دالاس-فورت وورث الكثيرة. التقارب بين المسلمين والمسيحيين هو ما يؤمن به زيا شيخ، إمام المسجد، رغم إقراره بأنها مهمة تزداد تعقيدا مع وقوع كل اعتداء جديد.

زيا شيخ ولد في الجانب الباكستاني من كشمير، ويعمل إماما في الولايات المتحدة منذ عام 1996.

ما زال يذكر ما حدث بعيد اعتداءات 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس، حين أتى رجال مسلحون وتجمعوا أمام المسجد يصيحون بعبارات معادية للمسلمين، وهو ما أجبر المصلين على الخروج بحماية الشرطة. "يظنون أننا نريد إقامة حكم الشريعة في هذه البلاد... ولكننا لا نمثل سوى 1% من السكان في الولايات المتحدة، ومن السخيف الاعتقاد بأننا نريد تغيير الدستور".

المسلمون لا يمثلون سوى جزء صغير جدا من الخليط الاجتماعي الأمريكي، ولكنهم تحولوا إلى عنصر أساسي في حملات الانتخابات الرئاسية، والملوم على ذلك هو دونالد ترامب وإعرابه عن نيته منع دخول المسلمين إلى البلاد. "إنه مجرد لغو" يقول الإمام غاضبا "لأنه حتى ولو وصل ترامب إلى البيت الأبيض، فإن عليه أن ينسق مع الكونغرس، وهذا هو ما يشكل قوة الديمقراطية الأمريكية، الأمر الذي جعل الكثير من المؤمنين يتركون بلادهم ويأتون للعيش هنا".

رجل يحمل لافتة تشير إلى رجال مسلحين أمام المسجد كتب عليها "الحل الأمثل لمواجهة التطرف الإسلامي"
في تكساس، تستخدم السيارات لتأدية أي عمل، حتى الذهاب إلى المسجد.

لمقاومة المشاعر المعادية للمسلمين المتنامية في الحي، ينظم مسؤول "العلاقات الخارجية" في المسجد أسبوعيا كل يوم أحد زيارات إلى "المركز الإسلامي". يقوم الزوار بتفحص كل شيء بدقة، قاعات الصلاة وصالات الرياضة المخصصة للأطفال وقاعات الدروس. "هكذا يستطيع الناس الاطمئنان، فلا وجود لقاعات مخفية حيث تقام أنشطة سرية" يقول المرشد مازحا.

نيكولاس بيليتير الإمام المسؤول عن "العلاقات الخارجية" والمسؤول عن الزيارات المنظمة إلى المسجد.

ولكن تنظيم الزيارات ليس دائما سهلا على أية حال، فأحيانا يتم إلغاؤها بسبب عدم وجود ما يكفي من المشاركين. "عندما وصلت إلى هنا منذ 11 عاما كان المسجد شبه خال وضعيف التنظيم. قمنا بتوسيعه ونشهد يوميا وصول المزيد من المؤمنين. وأؤكد لكم أن مرآب السيارات يكون ممتلئا عن آخره وقت صلاة الجمعة".







على بعد بضعة كيلومترات من مزرعة جورج بوش، في مقاطعة واكو، نجد واحدا من معاقل أشد كارهي أوباما: ساحة الرماية في هيكزفيل الذي تملكه أناماليا فوس وزوج والدتها جي دي هيكس، والذي يقدم صورة مقلقة عن فئة أمريكية عاشقة للأسلحة وفقدت كل تقدير للطبقة السياسية في بلادها.

عائلة هيكز، يستقبلون الزوار وهم يحملون بنادقهم الآلية.

"نحن لا نطلب الشرطة": يقابلنا جي دي مرتديا قبعة تحمل هذه العبارة، بما لا يدع مجالا للشك حول مدى ثقة هؤلاء الناس بالسلطات. ولا داعي لبذل جهد في المحاولة بمطالبته الكشف عن رؤيته لأمريكا منذ وصول أوباما إلى البيت الأبيض. خطابه منمق بعناية، خليط بين نظرية المؤامرة والإسلاموفوبيا وأوهام جنون العظمة.

"أوباما مسلم، والجميع يعلم هذا، يكفي مطالعة ذلك على الإنترنت. ولكن ما يجهله الناس هو أن أمريكا على أعتاب حرب أهلية جديدة، وكل هذا ناتج عن سياسات واشنطن"

على العكس من ذلك، منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2016، قامت تكساس بتخفيف التشديد على القوانين المنظمة للأسلحة النارية. القانون الجديد المعروف باسم "أوبن كاري" (Open Carry) يسمح لسكان تكساس بالتجول حاملين أسلحتهم النارية في الأماكن العامة دون الحاجة لإخفائها تحت ملابسهم. لهذا يقوم جي دي بالتسوق بانتظام في وولمارت (مركز التسوق بالمنطقة) واضعا مسدسه في حزامه.

أناماليا فوس تجرب آخر مقتنياتها

ولكن لا يتميز جميع مالكي الأسلحة في تكساس ببراعة الرماية التي يتميز بها الرواد المنتظمون لساحة الرماية في هيكزفيل. وحتى بين المدافعين المتشددين عن التعديل الثاني للدستور (الذي يضمن حق حمل الأسلحة)، فقانون "أوبن كاري" ليس محل إجماع. في معرض الأسلحة في دالاس، معظم العارضين والمشترين ليسوا ضد قليل من التنظيم.

مات ويتماير، أحد أهم بائعي الأسلحة في الولاية، يفتخر "بالتحقيق عن السوابق" الذي يقوم به قبل بيع أي قطعة سلاح. "جهاز الكمبيوتر الذي أملكه متصل بشكل مباشر بخوادم مكتب التحقيق الفيدرالي (إف بي آي)، الذي يعلمني خلال بضع دقائق إن كانت الصحيفة الجنائية للزبون نظيفة أم لا".

معرض الأسلحة في دالاس: أفضل مناسبة لتجديد مخزون الأسلحة الشخصية

بالنسبة إليه، "أوبن كاري" به الكثير من المبالغات ولا يخدم سوى هواة الأسلحة، وتكساس هي القدوة في هذا الشأن بالنسبة للولايات العديدة المحافظة.

"من غير المجدي استعراض الأسلحة، من الواجب ببساطة وضع الأسلحة في الأيدي الصحيحة ونزعها من أيدي غير المؤهلين لتلافي المآسي المماثلة لأورلاندو وسان بيرناردينو". الأمر ليس سهلا خاصة عندما نعلم أن الولايات المتحدة بها أسلحة تجارية عددها أكثر من عدد سكانها.






في كيلين نجد جنودا ومحاربين قدامى على نواصي كل الطرقات. المدينة تجاور فورت هود، أكبر قاعدة عسكرية في العالم: أكثر من 50 ألف عسكري متمركزون في قلب تكساس. إنها المكان الأمثل للنقاش السياسي مع المحاربين القدامى. ولكن المهمة تتعقد عند محاولة البحث عن أحد المحاربين القدامى للدفاع عن الخيارات الإستراتيجية للرئيس الذي توشك ولايته على الانتهاء، والحاصل على جائزة نوبل عام 2009.

"أمريكا لم تعد تخيف أحدا" برأي جو هالسي، محارب سابق في فيتنام.

حسب درجة تهذيب لغة المتحدث، فأوباما هو إما "خائن" أو "جبان يركع أمام منافسيه" أو حتى "الشخص الذي استغنى عن الجيش". كبار السن الصامتون عادة، لا يجدون صعوبة في إيجاد الكلمات لانتقاد السياسة الخارجية لبلادهم.

حارب جو هالسي في فيتنام أوائل السبعينات. بالنسبة إليه لم يكن احترام الولايات المتحدة حول العالم بمستويات أدنى مما هو عليه خلال إدارة أوباما. "فلاديمير بوتين، تنظيم ’الدولة الإسلامية‘... جميع أعداء الولايات المتحدة انتعشوا بسبب تهاون وتردد الرئيس" يقول هالسي موضحا. ومثله مثل معظم المحاربين القدامى، فهو يعلق آماله على ترامب لإعادة العظمة إلى الولايات المتحدة، شعار الحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري ينتشر بقوة بين هذه الفئة من السكان.

العلم منكس في مقبرة المحاربين القدامى في مركز تكساس حدادا على ضحايا اعتداء أورلاندو

الشكوى من أن البلاد قد فقدت كل قدراتها تتكرر على أفواه المحاربين القدامى. كثيرون منهم ينتقدون أوباما لعدم تحركه ضد النظام السوري عندما تجاوز "الخط الأحمر" باستخدامه الأسلحة الكيميائية. ولكن في عالم اليوم متعدد الأقطاب من الصعب فهم منطق المحاربين القدامى في كيلين طوال الوقت. بالنسبة لمعظمهم من الواجب محاربة أعداء أمريكا، ولكن دون إرسال "الأولاد" إلى "الدول الإسلامية": "إنهم يكرهوننا هناك".

الصفوف الطويلة لقبور مقبرة كيلين

على بعد بضعة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من كيلين تقع مقبرة محاربي وسط تكساس القدامى. افتتحت عام 2005، وهي تشهد كل أسبوع جنازة أحد المحاربين القدامى أو الجنود الذين سقطوا خلال تأدية مهام عسكرية.

الصفوف الطويلة من القبور البيضاء تذكر الزائرين بالثمن الباهظ الذي دفعته الولايات المتحدة في عملياتها العسكرية حول العالم. في الجزء المخصص للجنود الذين قتلوا في أفغانستان والعراق، نلاحظ تناقصا في أعداد الضحايا منذ بدء عمليات الانسحاب التدريجي للقوات من هذين البلدين في 2010. ولكن المساحة الواسعة من الأرض المجاورة الخالية من القبور تذكر بأن أمريكا لم تنه حروبها بعد.






عيادات الإجهاض في تكساس في طريقها للاختفاء. كان هناك نحو 40 عيادة قبل العام 2013، لم يتبق منها سوى 18 في منطقة مساحتها أكبر من فرنسا. والسبب هو القوانين التي تزداد صرامة وتعقد مهمة المراكز الصحية التي تنفذ عمليات إنهاء الحمل، مجبرة الأقل ربحا منها على الإغلاق. وفي حالة شديدة التطرف لم يتبق في ولاية ميسيسبي كلها سوى عيادة واحدة...

"في كامل أنحاء الجنوب، وبشكل خاص هنا في تكساس، نحن في مواجهة لوبي "مجموعة ضغط" قوية جدا ومتدينة جدا ولديها إمكانات مادية كبيرة ونفوذ واسع" كما توضح هيذر باسبي، مديرة منظمة "نارال" المؤيدة لحق الاختيار في أوستن. وتشرح كيف أن أعضاء مجموعة "تكساس رايت تو لايف" (تكساس الحق في الحياة) يعاركون رجال السياسة من كل الأطياف بلا هوادة لوضع قيود جديدة على الحق في الإجهاض، وحتى الأعضاء المنتخبين المعارضين للإجهاض والأقل راديكالية يعتبرون بنظرهم مجموعة من الحمقى".

هيذر باسبي مديرة منظمة "نارال" المؤيدة لحق الاختيار في أوستن.

وهكذا يتم التصويت بانتظام على قوانين حمقاء بهدف "تحسين أمان وصحة النساء": قوانين تتعلق بوضع معايير قياسية لحجم مواقف السيارات والمصاعد في العيادات، والقياسات الدنيا للممرات... أما المريضات الراغبات بإنهاء الحمل، صار من الواجب عليهن إجراء تصوير بالأمواج فوق الصوتية قبل 24 ساعة من العملية، وسماع ضربات قلب الجنين.

نقص العيادات في تكساس يجبر النساء اللواتي يقطن في أماكن نائية على السفر مئات الكيلومترات. وفي المدن الكبيرة مثل أوستن، يجب التسجيل في قائمة انتظار طويلة قبل أن تتمكن المرأة من إجراء العملية.

"لا عبث مع حق الاختيار" شعار مكتوب في مكاتب منظمة "نارال". شعار حرف من شعار الولاية "لا تعبث مع تكساس"

تقول فاليري بيترسون محامية من مدينة شيكاغو وتعمل في أوستن "في الأسبوع السادس عشر من الحمل اكتشفت أن طفلي لديه ضمور في الدماغ، فسألت طبيبي عن الطريقة التي يمكنني بها إنهاء الحمل" عندها اكتشفت أن تكساس من أكثر الولايات تشددا حيال هذه القضية. "لا ينتبه المرء لهذا مباشرة، فأوستن مدينة شابة وليبرالية وأكثر ميلا للمعسكر الديمقراطي، ولكن الوضع هنا مماثل للوضع في المدن ذات الغالبية الجمهورية"

ولأنها لم تكن قادرة على الانتظار شهرا للحصول على موعد، قررت الذهاب إلى فلوريدا لإجراء العملية. "كانت لدي الإمكانات والوقت لفعل ذلك، ولكن ماذا كان يمكن أن يكون مصيري إن لم يكن لدي المال الكافي؟"

وهي تدافع عن حقوق النساء في تكساس منذ ذلك الحين، وهي سعيدة لأن المحكمة العليا أبطلت آخر قانون في تكساس حول العيادات. "إنها أيضا رسالة للولايات الأخرى الراغبة في تقييد الحق في الإجهاض" تقول سعيدة". ولكن الانتصار في هذه المعركة لا يزال بعيد المنال في بلاد تعتبر شريحة كبيرة من السكان الإجهاض "شرا".








على طول الخطوط المستقيمة اللامتناهية التي تحيط بكوتولا، لا يقابلك على الطريق سوى شاحنات الوقود. منذ تطوير تقنية الحفر الهيدروليكي واكتشاف كميات كبيرة من الوقود العضوي تحت الأرض، أصبحت تكساس أرض الميعاد فيما يخص النفط والغاز الصخري. تحول يسمح للولايات المتحدة بأن تسبق السعودية كأكبر منتج للنفط في العالم.

وكما في أيام حمى الذهب يتجه عدد كبير من الأمريكيين للاستقرار جنوب تكساس، بما في ذلك مدينة كوتولا. "لم يكن في المدينة سوى 3 فنادق قبل 10 سنوات، والآن فيها نحو 30 فندقا" تقول فاليري غونزاليس التي تدير عائلتها مطعما منذ أجيال في وسط المدينة. وشأن معظم السكان -يملك والداها أرضا تهتم شركات النفط بشرائها- فهي تعتبر أن المنافع الاقتصادية للنفط الصخري أكبر من المخاطر المناخية: "أعتقد أن الأمر لا يسبب تلوثا أكبر من الحفر لاستخراج النفط التقليدي. عموما، التربة ليست جيدة هنا، إنها جافة جدا، لا نباتات تنمو هنا".

"احفر يا حبيبي احفر" في كوتولا يتم الاحتفاء بشعار الحزب الجمهوري هذا.

في الحقيقة أسكت تدفق الأموال على كوتولا الأصوات المعارضة. والقاعدة الجوية الصغيرة تم تحويلها إلى مطار للطائرات الصغيرة الفاخرة. "قمنا بإطالة المدارج لتستطيع الطائرات الأكبر حجما الهبوط" يقول مالك المطار إي تي بيج الثالث. "حتى إننا شهدنا في يوم من الأيام طائرة قادمة من سنغافورة" يقول فخورا ومتأسفا على دول أخرى تمنع الحفر الهيدروليكي.

ولأن هذه الطريقة لاستخراج النفط تبقى مثيرة للخلاف بسبب الكميات الكبيرة من المياه التي تتطلبها والممزوجة بالمواد الكيماوية، فهي ممنوعة في العديد من الدول، ومن ضمنها فرنسا التي تتهم فيها هذه التقنية بتلويث المياه الجوفية والتربة. وفي الولايات المتحدة نفسها حيث أسعار السيارات والوقود رخيصة، تثير هذه الطريقة جدلا ولا يتم استخدامها إلا في 21 ولاية من الولايات الخمسين.

ولكن في جنوب تكساس من الصعب مقابلة معارضين للحفر الهيدروليكي، تجب العودة إلى شمال الولاية للعثور على جمعيات لسكان يعارضون تكاثر آبار النفط الصخري. آدم بريغل، أستاذ في جامعة شمال تكساس في دينتون، كان قد دعا لاستفتاء محلي لمنع الحفر الهيدروليكي في مدينته عام 2014. "بالإضافة إلى المشاكل البيئية، تزايد أعداد حقول النفط يهدد التجمعات السكانية في البلاد. في دينتون، بدأنا بالقيام بخطوات لمقاومة الحفر الهيدروليكي لأن الحفر كان قد بدأ يقترب من مستشفى ومنطقة مأهولة بكثافة" يقول بريغل.

يتذكر على وجه الخصوص كيف قام برلمان تكساس بإبطال نتائج الاستفتاء. "خلال أقل من 8 أشهر كانت المسألة قد عولجت. ومنذئذ أصبح ممنوعا في تكساس تنظيم استفتاء شعبي فيما يتعلق بذلك الموضوع. وهو ما يظهر قوة ونفوذ مسؤولي صناعة النفط".

لقطة جوية تظهر مركز حقول النفط مع الكم الكبير للآبار

الأمر الوحيد القادر على إبطاء سير الحفر الهيدروليكي على ما يبدو هو تراجع أسعار النفط. في كوتولا تم إيقاف العمل في عدة آبار لأن الحفر الهيدروليكي ليس مربحا عندما تقل قيمة برميل النفط عن 50 دولارا. ولكن في النزل شبه المهجورة في المدينة يعلمون أن الأسعار ستعود للارتفاع وأن الزبائن سيعودون. وبانتظار ذلك يعرضون البيرة الباردة المجانية لتسريع عودة الباحثين عن الذهب الأسود.






عند نهايته، يكون الطريق السريع رقم 35 قد وصل إلى ضفاف نهر ريو غراندي. وعلى الطرف الآخر من النهر، حيث توجد قوة هائلة من حرس الحدود الأمريكية، تقع المكسيك. ولكن لا حاجة لاجتياز النهر لسماع اللغة الأسبانية. ولأن 90% من سكانها من أصول لاتينية تعيش لاريدو على الطريقة المكسيكية.

على جسر المشاة الرابط بين الضفتين هناك تدفق مستمر لأشخاص يعيشون ويعملون بين البلدين فترامب وخططه لإغلاق الحدود لا يحظيان بشعبية هنا.

على الجانب الآخر من الجسر الـمـُسيـَّج: المكسيك

"بناء جدار على طول الحدود؟ هذا الأمر لن ينجح أبدا. هنا النهر عريض جدا وخطير ولكن هذا لا يوقف الناس من محاولة العبور، رغم غرق البعض" كما يوضح نوربيرتو كارديناس الثالث، محام مختص بالدفاع عن المهاجرين غير الشرعيين في لاريدو.

يؤكد أن لديه العديد من الزبائن في مراكز احتجاز متعددة في تكساس، وغالبيتهم من المكسيكيين، ولكنه أيضا يعمل مع المهاجرين الشرعيين الذين يحاولون إحضار عائلاتهم.

"يكفي الخروج إلى الشارع لمعرفة أن الولايات المتحدة بلد قائم على الهجرة، إنه أمر واقع"

نوربيرتو كارديناس الثالث، محامي المهاجرين غير الشرعيين في لاريدو

من الصعب فعلا إنكار التأثير المكسيكي جنوب تكساس وخصوصا في لاريدو. في مركز المدينة نشعر أننا بعيدون جدا عن مراكز المدن الأمريكية الكبيرة، والصحراء حلت محل الضواحي المترامية الأطراف.

الشوارع الصغيرة مليئة بأشخاص يمشون، وهو أمر نادر الحدوث في تكساس. الأسواق الصغيرة التي تبيع كل شيء، وبشكل رئيسي الملابس التي تحمل كتابات باللغة الأسبانية، تزدحم بالناس صباحا. وعند وقت الغداء تجد أشخاصا يتحدثون الأسبانية بصوت عال أمام محلات التاكو.

تشكل هذه المدينة مع أوستن الشابة والمعاصرة إحدى أهم معاقل الحزب الديمقراطي في الولاية. صوت سكانها بنسبة 75% لصالح أوباما في 2012. التخويف من المهاجرين، الذي يشكل أحد أعمدة حملة ترامب الانتخابية، غير موجود على الحدود. خاصة إن التبادل التجاري بين البلدين يمثل مصدر دخل رئيسيا للمنطقة منذ بدء تنفيذ اتفاقية التبادل الحر بين الولايات المتحدة والمكسيك عام 1994.

على بعد بضع عشرات من الأمتار عن جسر المشاة يقع جسر التجارة العالمية الذي تنتقل عليه آلاف الشاحنات يوميا بين ضفتي ريو غراندي. تعبر شاحنة الجسر كل 15 ثانية حسب بيانات غرفة التجارة. وبانتظار إغلاق يبدو غير محتمل للحدود، تبقى حركة التجارة في قمة نشاطها بين الولايات المتحدة والمكسيك.

عند نهاية الطريق السريع رقم 35 تقع الحدود المكسيكية وخط السكك الحديدية الذي يعبره سيل لا ينتهي من قطارات الشحن.

الحقوق

النص والصور: جوليان بيرون
فيديو: أنطوان ليفي, CRAC
رئاسة التحرير: سيلفان أتال وماري فالا
مراجعة النص بالفرنسية: غائيل لورو
ترجمه للعربية: فؤاد حسن
مراجعة النص بالعربية: حسين عمارة
غرافيك وتصميم: ستوديو غرافيك – فرانس ميديا موند

FRANCE 24 Webdocumentaires تجدون هنا كل تقارير فرانس24 التفاعلية وملفات الأنفوغرافيا : france24.com/ar/webdocumentaries